التخطي إلى المحتوى
قانون المناقصات بين الواقع والمأمول | جريدة الأنباء

  • جاء قانون المناقصات العامة الجديد نظراً لوجود حاجة مُلحّة ولسد الفراغ التشريعي في التشريع السابق
  • ضرورة إعادة دراسة قانون المناقصات بشكل فني وموضوعي للخروج بتصورات ومرئيات تخدم الموضوع
  • القانون لم يحدد موقفه بشأن إلغاء النصوص المانعة وأن أي استثناء يجب أن ينص عليه بشكل صريح وموضوعي
  • من غير الواضح معرفة دور وزارة المالية في شأن الأحكام الواردة بالقانون والتي تمت الإشارة فيها للوزارة

جاء القانون 49 لسنة 2016 بشأن المناقصات العامة بعد فترة طويلة من صدور التشريع السابق القانون رقم 37 لسنة 1964 أي بعد ما يزيد على خمسة عقود، جاء نظرا لوجود حاجة ملحة لإعادة النظر في التشريع ليتناسب مع الواقع العملي وفقا للتطورات الحديثة لإجراءات الشراء وأيضا للحاجة الى نظام شراء يتسم بالشفافية والحوكمة.

القانون جاء أيضا لسد الفراغ التشريعي في التشريعات، والمتعلق بتنظيم الشراء، حيث ان التشريع السابق لم ينظم إجراءات الشراء للحدود التي تقل عن نصاب لجنة المناقصات المركزية، الأمر الذي اضطرت اليه وزارة المالية في ذلك الوقت لسد هذا الفراغ من خلال إصدار تنظيم خاص بالشراء في تلك الحدود (التي تقل عن النصاب)، على الرغم من عدم وجود تأسيس قانوني يمكن وزارة المالية من تنظيم مثل هذا الأمر، لا من خلال المرسوم في شأن وزارة المالية الصادر في 1986، ولا من خلال المرسوم بالقانون رقم 31 لسنة 1978 بقواعد إعداد الميزانيات العامة والرقابة عليها والحساب الختامي، إلا انه من وجهة نظرنا ان تدخل وزارة المالية هذا وان كان من غير سند قانوني، إلا انه كان محمودا لإحكام الرقابة على نظم الشراء.

وقبل التطرق الى قراءتنا التحليلية لقانون المناقصات المركزية، نود الإشارة الى انه ترجع أسباب وجود بعض القصور والمثالب في بعض التشريعات بوجه عام، الى أن أي مشروع قانون يصاغ من قبل المشرع برؤية وروحية يهدف منها المشرع الى تحقيق المستهدفات التي من اجلها يتم إصدار مثل هذا التشريع.

لكن في معظم الأحيان ونتيجة لكثرة الاجتهادات في جهات النظر في التشريعات من قبل أطراف عديدة يترتب عليه صدور التشريع بشكل قاصر ومعيب في معظم الأحيان، الامر الذي يؤثر على تطبيق مثل هذا القانون من حيث الجوهر والاهداف، واجزم بأن هذا التشريع من ضمن تلك التشريعات التي شابها مثل هذا القصور.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، الفقرة أولا من المادة 2 من القانون حددت نطاق القانون من حيث الاعمال ومنها الخدمات بشكل مطلق دون حدود، ثم جاء القانون بالفقرة ثانيا ونص على أن تسري أحكام هذا القانون على عقود خدمات استيراد البرامج الإذاعية والتلفزيون، وفي المادة 1 الخاص بالتعريفات عرف المشرع الخدمات بأنها العناصر القابلة للشراء من غير السلع والمقاولات وتضم منافع الأشياء والأشخاص التي يمكن أن تقيمها ماليا، ويجوز ان تكون محلا للتعامل بما في ذلك خدمات النقل، من ثم نرى كيف عرف القانون الخدمات بشكل مختلف في مواقع مختلفة من القانون مما يفتح الباب للاجتهاد والتفسيرات، وهذا يسري على بعض الجوانب الأخرى أيضا من القانون.

ومن أبرز ما تم رصده من ملاحظات على القانون ولائحته التنفيذية الجوانب التالية:

٭ ان لكل تشريع غاية وهدفا لكن من غير الواضح ماهية فلسفة القانون 49 لسنة 2016، فهل نحن أمام قانون ينظم المناقصات العامة؟ أم أمام قانون ينظم الشراء بوجه عام؟ والذي يتم بعدة وسائل من ضمنها المناقصة العامة، لان هذا القانون نظم كل أساليب الشراء من مناقصة وممارسة والامر المباشر.

ونعتقد أننا أمام تشريع ينظم الشراء بكافة أساليبه وليس المناقصات العامة فقط، وهو تشريع هجين بين المناقصات العامة والمشتريات العامة، ويتبين ذلك جليا من خلال الاطلاع على احكام الفصل الأول (أساليب التعاقد) والفصل الثالث (أساليب أخرى للشراء).

٭ كون هذا القانون يعتبر من القوانين الفنية التي تنظم إجراءات توفير المواد والاعمال والخدمات، وبالتالي أصبح جهاز المناقصات العامة هو المرجعية الفنية والقانونية المتعلقة بأي خلاف او تفسير لمواده، لكن نرى ان المشرع قد أغفل هذا الامر، لذا قد يكون من شأن ذلك ان يفتح الباب أمام الاجتهادات والتفسيرات من قبل جهات غير مختصة، علما بأن هناك ممارسة جيدة في هذا الشأن، فوفقا للمرسوم بقانون 15 لسنة 1979 في شأن نظام الخدمة المدنية، قد اناط المشرع لمجلس الخدمة المدنية دون غيره مسؤولية تفسير كل ما يتعلق بتشريعات شؤون التوظف، مما حدد المشرع مرجعية واضحة بشأن المرسوم.

٭ يهدف هذا القانون الى ضمان الحفاظ على الأموال العامة الى جانب تحقيق المرونة للجهات العامة، الى جانب تحقيق الحوكمة في نظام الشراء في الجهات العامة، وسبق للسلطة التشريعية ان ألغت كافة النصوص المانعة من خضوع بعض الهيئات العامة والمؤسسات العامة من رقابة ديوان المحاسبة او قانون المناقصات العامة، وذلك بموجب القانون رقم 66 لسنة 1998 الوارد في ديباجة القانون 49 لسنة 2016.

إلا أن القانون الجديد لم يحدد موقفه بشأن إلغاء النصوص المانعة، وان كنا نرى أن إلغاء النصوص يجب ان يرد أيضا في هذا القانون، وان أي استثناء يجب ان ينص عليه بشكل صريح في هذا القانون، وان يكون الاستثناء موضوعيا وليس استثناء على مستوى الجهات، لأننا الآن أمام قوانين خاصة تم إلغاء النصوص المانعة الواردة فيها، وهي القوانين الصادرة حتى صدور القانون رقم 66 لسنة 1998، وأمام قوانين خاصة وردت احكام خاصة نصت على الاستثناء بشكل واضح بعد صدور القانون المشار اليه، وأمام قوانين أيضا لم تنص صراحة على الاستثناء، لكن أوردت احكام في هذا الشأن تفتح باب الاجتهاد في التفسير فيما اذا كانت تعتبر احكاما استثنائية من عدمه، وقد يزيد باب الاجتهاد في التفسيرات خاصة ان ما ورد في المادة 2 من القانون 49 يساعد على ذلك، حيث نصت على الآتي (…. وفي جميع الأحوال تطبق احكام هذا القانون ولائحته فيما لم يصدر بشأنه نص خاص في شأن عمل كل من هذه الجهات العامة).

ومن جانب آخر، لم يتبين في القانون ولائحته التنفيذية مبررات استثناء الشركات المملوكة بالكامل للمؤسسات المستقلة، وقصر نطاق تطبيق أحكام القانون على الشركات المملوكة بالكامل لمؤسسة البترول الكويتية.

٭ وفقا للمادة 33 و36 من القانون والمادة 2 من اللائحة التنفيذية، فإن أحكام تلك المواد قد حددت نطاق تطبيق القانون على أوجه الشراء والخدمات التي يكون مصدرها اعتمادات ميزانية الجهات العامة فقط، مما يعتبر القانون معيبا في هذا الشأن، خاصة ان تأسيس القانون جاء لحماية المال العام استنادا الى ما ورد بالمذكرة الإيضاحية ووفقا للقانون رقم 1 لسنة 1993 الوارد بديباجة القانون، حيث ان الأموال العامة تشمل الأموال التي تدار من قبل الدولة وتشرف عليها وليس بالضرورة مصدرها الميزانية العامة للدولة.

٭ أضاف القانون نطاق أعمال لم تكن واردة في التشريع السابق، او لم تكن واضحة سابقا، وهي الخدمات بمطلقها والتي تشمل كل اعمال الخدمات مثل الاستشارات والإيجارات وغيرها، وبما ان بعض الجهات بقانون إنشائها كانت تناط بها بعض تلك الخدمات، وعلى سبيل المثال التدريب لدى ديوان الخدمة المدنية، فأصبح من غير الواضح مدى مركزية الجهاز في طرح تلك الخدمات بمناقصة عامة.

٭ عدم وضوح دور جهاز المناقصات فيما يتعلق بالشراء الخارجي تعاقدا وتنفيذا، فالقانون لم يغط الثغرة في القانون السابق، فتوفير السلع والخدمات للوحدات الإدارية الخارجية التابعة للجهات العامة لا يغطيها القانون او اللائحة التنفيذية، وتعميم وزارة المالية الصادر بهذا الشأن 2/2007 غطى ذلك في حدود 5000 دينار فقط، وهو ذات القصور في القانون السابق، فالفقرة 3 من المادة 2 من القانون فيما يتعلق باستثناء مؤسسة البترول الكويتية من النصاب أشارت الى ان الجهاز يختص بعقود الشراء التي تنفذ داخل الكويت والتي تزيد على 5 ملايين دينار، وفي الفقرة 2 من المادة 4 إشارت الى أنه تسري أحكام طرح المناقصات على العقود التي تتم داخل الكويت بشأن اعمال تتبع جهة عامة في دولة أجنبية سواء كان المتقاعد كويتيا أو أجنبيا، والمادة 41 حددت الشروط العامة التي تتوافر في المتعاقد، ومنها ان يكون مسجلا بالسجل التجاري وسجل الموردين والمقاولين، أما المادة 78 من تعميم وزارة المالية فنظمت الشراء من قبل الوحدات الإدارية بالخارج في حدود 5000 دينار وما زاد على ذلك في حدود 75000 دينار فهو غير منظم، وهو ذات القصور في القانون السابق.

٭ عالج القانون جانبا مهما يتعلق بالحالات الطارئة نتيجة ظروف غير متوقعة والكوارث، كما سمح القانون للجهات العامة باتخاذ إجراءات أولية ويتم إخطار الجهاز بها مع المستندات المتعلقة بها، لكن هذا الأمر يتطلب مزيدا من التنظيم خاصة لعدم وضوح مدى حدود السلطة التقديرية للجهات العامة في هذا الشأن، كما انه من غير الواضح سلطة الجهات العامة في تنظيم الشراء في ظل الحالات الطارئة، حيث تضمن تعميم وزارة المالية في هذا الشأن ذات الأحكام، لكن من غير الواضح فيما اذا كان جائزا لها تنظيم هذا الأمر دون الرجوع الى جهاز المناقصات العامة.

٭ عدم وضوع هدف ومضمون المادة 9 من القانون بشأن الاتفاق بين الجهات الحكومية، فيما إذا كان القصد المعاملات المتبادلة بين الجهات العامة واستثنائها من القانون ودور الوزراء في هذا الشأن، حيث لم يتضمن القانون أي أحكام توضيحية بهذا الشأن.

٭ ان سماح التعليمات الصادرة من وزارة المالية بالتنازل لطرف آخر بموافقة وكيل الجهة المختصة حسب ما ورد بالمادة 135 من تعميم وزارة المالية 2/2017، يخالف أحكام القانون ولائحته التنفيذية بهذا الشأن، ولا يتسق مع قواعد الحوكمة، الأمر الذي قد يفتح بابا للفساد من خلال بيع المناقصات وشرعنته، وهذا ليس الهدف من القانون طالما انه يسمح للمقاول بالتعاقد مع مقاولين بالباطن.

٭ من غير الواضح معرفة دور وزارة المالية في شأن الأحكام الواردة بالقانون والتي تمت الإشارة فيها لوزارة المالية، فهل وزارة المالية مفوضة من قبل جهاز المناقصات العامة في حدود الاحكام؟ ام القانون أحال لوزارة المالية هذا الاختصاص بالكامل؟ علما بأن المادة 91 من القانون قد نصت بشكل صريح على ان تتولى وزارة المالية اصدار التعليمات بما لا يتعارض مع القانون، هذا تساؤل مستحق لمعرفة دور الجهاز في الإشراف على ما تصدره وزارة المالية من تشريعات في هذا الشأن والتحقق من مدى اتساقها مع أحكام القانون، حيث تبين عدم وجود اتساق بين القانون ولائحته التنفيذية من جهة، وأحكام التعميم الصادر من وزارة المالية رقم 2/2017 بشأن الشراء.

فعلى سبيل المثال هناك اختلاف في التعريفات والاحكام في المواد وفي نطاق تنفيذ القانون الواردة بالتعميم وبها استزادة في بعض الأحيان وتعارض في بعض الأحيان، وهذا يدلل على ان تعميم نظم الشراء 2/2017 لم يعرض على جهاز المناقصات العامة، حيث ان وزارة المالية استندت على المادة 19 من القانون عند إصدارها للتعميم، في حين كان الواجب الاستناد على المادة 91 لأن إصدار التعليمات يكون في حدود أحكام القانون واللائحة، وعليه يتطلب الأمر إعادة النظر في احكام التعميم المشار اليه من قبل الجهاز وإجازته منه.

٭ تطرق القانون الى تنظيم بعض التعاملات الالكترونية، فقد نظم بعضها وترك بعضها، وعلى سبيل المثال موضوع الشراء الالكتروني حيث لم يتم تنظيمه بالقانون، وهو مطلب مهم في سبيل تسهيل الإجراءات المتعلقة بتوفير السلع والخدمات، علما بأن القانون أناط هذا الامر الى إدارة نظم الشراء في وزارة المالية، وفقا للفقرة (د) من المادة 9، والتي شملت تطوير الوسائل لتحسين عمل نظام الشراء العام، بما في ذلك استخدام نظم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في عمليات الشراء، الا انه لم يتبين من أحكام التعميم وجود تنظيم واضح بهذا الشأن.

٭ وجود فراغ تشريعي لعدم استكمال تنفيذ أحكام المادة 86 من القانون والمتعلقة بالعقد النموذجي وعقد الشراء، حيث انه لم يتبين تنفيذ أحكام هذه المادة بشكل كلي.

لذلك نرى من الأهمية إعادة دراسة القانون 49 لسنة 2016 بشأن المناقصات العامة بهدف معرفة ما هو المأمول من هذا القانون وفقا للغايات التي من اجلها صدر مثل هذا التشريع.

كما نرى من الأهمية أن إعادة دراسة مثل هذا القانون لا تجدي إلا إذا تمت دراسته بشكل فني وموضوعي وعلى مستوى المختصين في جميع الأجهزة المعنية، وفي مقدمتها الأجهزة الرقابية للخروج بتصورات ومرئيات تخدم مثل هذا التشريع.

baderalhammad.com



نسعد دائما بتفاعلكم معنا، يمكنكم ترك تعليق اسفل الموضوع، جميع التعليقات مفتوحة لزوار الموقع بشرط عدم التجاوز في حق احد او ازدراء الاديان.
خليك ترند مجلة الكترونية عربية تهتم بنشر اهم وابرز الاخبار والتحديثات حول العالم، جميع الاخبار والموضوعات المنشورة هنا ليست وجهة نظر المجلة ولكنها تحت مسؤولية المحرر

المصدر

التعليقات